العلاقة بين الولايات المتحدة و”دولة الاحتلال” تبقى واحدة من أكثر العلاقات السياسية غرابة في التاريخ الحديث، علاقة غير متكافئة، تتحدى المنطق والمصلحة الوطنية الأمريكية. علاقة طفيلية تقوم على نفوذ منظم وتلاعب إعلامي وتمويل سياسي ضخم يخدم طرفًا واحدًا فقط في هذه العلاقه. فالكيان الصهيوني لا يقدم لأمريكا أي قيمة أمنية أو استراتيجية أو اقتصادية تُذكر، ومع ذلك تبني واشنطن سياساتها الخارجية وبوصلتها الأخلاقية بما يتوافق مع مصالح دوله الكيان، علاقه تكاد ان ترقى إلى مستوى التأثير السحري (الكتبه).
الأجندة “الإسرائيلية أولًا” لم تعد مقتصرة على أروقة الكونغرس، بل أصبحت جزءًا من البنية العميقة لمنظومة التضليل الإعلامي في الولايات المتحدة، تشكل عقول الأمريكيين وتعيد تعريف رؤيتهم للعالم، عبر المؤسسات السياسية والإعلامية والتكنولوجية، ومن خلال “المؤثرين” المدفوعي الأجر الذين يُصاغ عبرهم الرأي العام خطوة بخطوة.
صناعتا الإعلام و السينما في أمريكا أصبحتا اليوم أهم أدوات إعادة تشكيل الوعي والثقافة الوطنية. ولعل رسالة المديرة التنفيذية لشركة “أوراكل” صفرا كاتز إلى رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق إيهود باراك عام 2015 تعبّر بوضوح عن ذلك، حين قالت: “نؤمن بضرورة غرس حب واحترام "إسرائيل" في الثقافة الأمريكية.”
واليوم، يتجسد هذا الهدف بصورة أوضح. فمؤسس “أوراكل” الملياردير لاري إليسون، أحد أبرز الداعمين للحركه الصهيونيه، يسعى للاستحواذ على مؤسسات إعلامية كبرى تشمل استوديوهات أفلام ومحطات تلفزيونية، بينما أصبح ابنه ديفيد إليسون رئيسًا لشركتي “باراماونت” و”CBS” بعد اندماجهما مع شركته “سكاي دانس”. و في الوقت ذاته، يجري إليسون الأب محادثات لشراء “وارنر براذرز” و”سي إن إن”.
تسريبات لرسائل إلكترونية نُشرت مؤخرًا عبر موقعي Drop Site News وResponsible Statecraft كشفت عن علاقات تنسيق في الانتخابات الأميركية بين إليسون ومسؤولين دوله الاحتلال. ففي إحدى الرسائل عام 2015، سأل السفير "الإسرائيلي"، رون بروسور ، لدى الأمم المتحدة آنذاك، إليسون إن كان السيناتور ماركو روبيو قد “اجتاز اختباره”، فأجابه بأنه سيكون “صديقًا عظيمًا لإسرائيل”، ثم تبرع إلسون لحمله روبيو الرئاسية خمسة ملايين دولار. لم يجتز روبيو الاختبار بوصفه وطنيًا أمريكيًا، بل بوصفه مواليًا "لإسرائيل".
تحت هيمنة المليارديرات الموالين "لإسرائيل"، تحولت كبريات وسائل الإعلام الأمريكية إلى أبواق صهيونيه و منصات تطبيع وتجميل لصورة الاحتلال. ومن أبرز الأمثلة باري وايس، صاحبه ما يسمى مؤسسة"الإعلام الحر"، The Free Press ، التي عيّنت حديثا رئيسه التحرير الجديدة لشبكة CBS News، المعروفة بدفاعها المتحمس عن دوله الكيان وتبريرها العلني للإبادة الجماعيه في غزة.
إليسون وشركاؤه من الممولين، مثل مريام أديلسون التي دعمت حملة ترامب بمئة مليون دولار، لا يرون في امريكا سوى ساحة لخدمة مصالح "إسرائيل". حتى ترامب نفسه، الذي يدعو إلى شعار "امريكا أولاً"، اعترف في خطاب أمام الكنيست بأن أديلسون “تحب "إسرائيل" أكثر من أمريكا.”
ولم يتوقف النفوذ عند الإعلام التقليدي فقط، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة جديدة للتأثير. منصة “تيك توك”، مثلا، كانت الوحيدة بين الكبار غير الخاضعة لتمويل من الصهاينه او جماعه "اسرائيل اولا"، "تيك توك" كانت أيضًا الوحيدة التي أفلتت من التلاعب بخوارزميات المحتوى. ولهذا السبب تصاعدت الحملات التي تحدثت عن حمايه “مخاطر أمن البيانات” من الصين، في حين ان الهدف الحقيقي هو لتبرير محاولات السيطرة على المنصة أو إغلاقها.
ويقود جهود الاستحواذ على “تيك توك” حاليًا كل من عائلتي إليسون ومردوخ، وهما من أبرز ممولي الدعاية الصهيونيه في أمريكا. الجدل المختلق و الدائر حول "تيك توك" و أمن البيانات ليس سوى غطاء لمعركة أوسع تتعلق بـ”أمن السردية الإسرائيلية”. المشكلة لم تكن في وصول الصين إلى بيانات الأمريكيين، بل في عجز اللوبي الإسرائيلي عن التحكم في خوارزميات “تيك توك”. حتى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو اعلن على الملئ بان الاستحواذ على "تيك توك"، من اهم هذه الإنجازات قائلًا: “الأسلحة تتغير مع الزمن… أهمها اليوم هي على وسائل التواصل الاجتماعي.”
وكذلك تقرير حديث لموقع Responsible Statecraft كشف أن وزارة الخارجية "الإسرائيلية" تدفع لمؤثرين أمريكيين ما يصل إلى سبعة آلاف دولار مقابل نشر محتوى مؤيد "لإسرائيل" مخالفا بذلك للقوانين الاعلاميه الامريكيه حين لا يفصح عن مصدر التمويل. أي أن الفضاء المعلوماتي الأمريكي يتعرض لاختراق منظم عبر دعاية مموله من دوله أجنبية غير معلنة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد انحياز إعلامي، بل استعمار حقيقي للحقيقة، واستثمار في تزوير الوعي الجماعي. فمع سيطرة إمبراطورية إليسون الإعلامية، ونفوذ أمثال وايس داخل غرف الأخبار، وتمويل "إسرائيل" المباشر للمحتوى الرقمي، أصبح العقل الأمريكي ضحية لوهمٍ هندسي ممنهج.
قال الفيلسوف فولتير: “من يجعلك تصدق السخافات، يجعلك ترتكب الفظائع.” ولعقود، أقنعت "إسرائيل" والرواية الصهيونية الأمريكيين بأن الدين يمنح الأوروبيين (اليهود) حقوقًا تاريخية في الشرق الأوسط، وأن المحتل النووي هو “الضحية”، وأن الإبادة “دفاع عن النفس”.
الاختبار الحقيقي للديمقراطية الأمريكية لا يجري في ميادين القتال، بل في مواجهة نفوذ لجنة “إيباك” وأموال اللوبي الصهيوني في الكونغرس والإعلام والجامعات. فمع كل خطوة لإسكات الأصوات الحرة في الحرم الأكاديمي أو المنصات الرقمية، يكتمل استعمار العقل الأمريكي.
إن تزاوج المال والنفوذ السياسي في خدمة الكيان الصهيونى لم يعد مجرد خطر على الحقيقة، بل تهديد لسيادة القرار الأمريكي ذاته. فبين “فوكس نيوز” الموالية "لإسرائيل" و إمبراطورية إليسون الإعلامية المتوسعة، تقترب أمريكا من امتلاك نسختها الخاصة من “برافدا إسرائيل”.

